علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

53

ثمرات الأوراق

نفسه أن يغنّي بحضرتي بعد ما سمعه مني ! فأخذ العود وجسّه ؛ فو اللّه لقد خلته ينطق بلسان عربيّ ، واندفع يغني : ولي كبد مقروحة من يبيعني * بها كبدا ليست بذات قروح ! أباها عليّ النّاس لا يشترونها * ومن يشتري ذا علّة بصحيح ! فقال إبراهيم : فو اللّه لقد ظننت أن الحيطان والأبواب وكلّ من في البيت يجيبه ويغنّي معه ؛ وبقيت مبهوتا لا أستطيع الكلام ولا الحركة ، لما خالط قلبي . ثم غنّى : ألا يا حمامات اللّوى . . . الأبيات « 1 » ؛ فكاد يذهب عقلي طربا ، ثم قال : يا إبراهيم ، خذ هذا الغناء وانح نحوه في غنائك ، وعلّمه جواريك . فسألته أن يعيد ما غنّاه ، فقال : لم تحتج إلى شيء من ذلك . ثم غاب من بين عيني ، فارتعت وقمت إلى السّيف فجرّدته ، ثم غدوت نحو الأبواب ، وقلت للجواري : أيّ شيء سمعتنّ ؟ فقلن : سمعنا أحسن غناء . فخرجت متحيرا إلى باب الدّار ، فوجدته مغلقا ، فسألت البوّاب عن الشيخ ، فقال أيّ شيخ ! واللّه ما دخل إليك أحد من الناس ، فرجعت لأتأمّل أمري ، فإذا به قد هتف من بعض جوانب الدار ، فقال : لا بأس عليك أبا إسحاق ، أنا إبليس ، وقد اخترت منادمتك في هذا اليوم ، فلا ترع . فركبت على الفور إلى الرّشيد ، وأتحفته بهذه الطّرفة . فقال : ويحك ! اعتبر الأصوات التي أخذتها عنه ، أخذت العود ، فإذا هي راسخة في صدري ، فطرب الرشيد ، وأمر لي بصلة ، وقال : ليته أمتعنا يوما واحدا كما أمتعك . قال أبو الفرج الأصبهانيّ : هكذا حدثنا ابن أبي الأزهر وما أدري ما أقول فيه « 2 » ! * * * طرائف عن ابن خلكان ويضارع هذا ما أورده ابن خلّكان في ترجمة ابن دريد : قال أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد : سقطت من منزلي [ بفارس ] « 3 » ، فانكسر بعض أعضائي ، فسهرت ليلتي ، فلمّا كان آخر الليل غمضت عيني ، فرأيت رجلا طويلا أصفر الوجه

--> ( 1 ) الأبيات كما في الأغاني : ألا يا حمامات اللّوى عدن عودة * فإني إلى أصواتكنّ حزين فعدن ، فلما عدن كدن يمتنني * وكدت بأسراري لهنّ أبين دعون بترداد الهدير كأنما * سقين حميّا أو بهنّ جنون فلم تر عيني مثلهنّ حمائما * بكين ولم تدمع لهنّ عيون ( 2 ) الأغاني 5 / 210 - 222 ( بيروت ) . ( 3 ) تكملة : ب ، ج وابن خلكان .